إن هذه الألفاظ اتـفق عليها أهلُ السلوكِ، ليدلوا المريد أنه على استـقامة من سلوكه أو على مخالفةٍ وخَطَرٍ، وأهل الكمال لا يلتـفتون إلى هذه الألفاظ، ولا إلى مدلولها، لأنهم مستغرقون في التوجُّه إلى الله، حيث وضعوا نُصْبَ أعينهم ( إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ) فـشُغِلوا به عن الهوى، ووجّهوا المريدين لديهم ألا يلتـفتوا إليها ونفصل ذلك فنقول :
الحال هو ما يحصل للمريد أوقات سلوكه من حالات تصفو فيها نفسُه، أو يدرك فيها أنْـساً، أو يشعر فيها بارتـقاء روحي، وطمأنينة تجذبه إلى الحضور في الذكر، ومثله كمثل رجلٍ يسيرُ في الطريق فيمر في طريقه على شجر وجبل ونهر ويرى في طريقه السيارات والألعاب والمتاجر، وهو مع ذلك يمشي وهي تـتحول عنه من منظر إلى آخر، فإذا وقف عند إحداها تأخر عن الوصول، وشُغِلَ عن الهدف المطلوب.
وأما المقام: فهو الخُلق الفاضل الذي يتمكن في قلبه، ويصبح جزءاً من وجوده، لا يفارقه، كالحياء مثلاً: يصبح ويمسي وهو يستحي أن يراه الله تعالى على خطأٍ أو مخالفةٍ، ويستحي أن يعص الله وهو يراه، فهو خلق يستـقيم معه حتى يلقى الله ، ومثله الحلم والصبر أو الصدق والإخلاص، فهذه كلها مقامات ينتـقل المريد إليها ويتخلّق بها وتصبح معه كالنور في العين والنطق في اللسان، والروح في الجسد، فتمكن في قلبه، وتسري في عروقه ودمائه، حتى تكون جزءاً من وجوده، لا يستطيع مفارقتها، ولن تـفارقه حتى يلقى الله عليها.
وأما الرابطة: فهي ارتباط المتعلم بالمعلم، رباط التهذيب والأخلاق والمحبة، ولقد رأينا بالاستـقراء أن الطالب المحب لمعلمه هو الذي ينتـفع به ويحفظ دروسه ونصائحه، وأما الطالب المستمع بدون حب لا يمكن له أن يحقق النجاح المتـفوق في مادة معلمه، فالحب هو أقوى معلِّمٍ ومهذبٍ، لذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى محبته الحب الصادق المخلص، فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده"، وقال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين " .
|