هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون قال في كلامه على التصوُّف:
( لم تزل- عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها ترك ما يقبل عليه الجمهور من لذّةٍ ومالٍ وجاهٍ ، والإنفراد عن الخلق في خلوة للعبادة ، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف ، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على العباد باسم الصوفية والمتصوِّفة ).
وقال القشيري رحمه الله :-" ولا يُشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس ، والظاهر أنه لقبٌ ، ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي ؛ قال : وكذلك من الصُوف لأنهم لم يختصوا بلبسه ، قلتُ والأظهر: إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لِبس الصوف ، فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والإنفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم ،وذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميّز عن سائر الحيوان بالإدراك ؛ وإدراكه نوعان : إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم ، وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضا والغضب والصبر والشكر ، وأمثال ذلك .
كذلك المريد في مجاهدته وعبادته لابد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة ، وتلك الحال إما أن تكون نوعَ عبادةٍ فترسخ وتصير مقاماً للمريد ، وإما أن لا تكون عبادةً وإنما تكون صفةً حاصلةً للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات .ولا يزال المريد يترقى من مقامٍ إلى مقامٍ إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة .قال صلى الله عليه وسلم :" من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة " . فالمريد لابد له من الترقَي في هذه الأطوار ، وأصلُها كلها الطاعةُ والإخلاصُ ، ويتقدمها الإيمانُ ويصاحبُها وتنشئ الأحوالُ والصفات نتائجَ وثمراتٍ، ثم تنشأ عنها أعمال تؤدي إلى مقام التوحيد والعرفان ، وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله ، وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية .فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة النفس في سائر أعماله ، وينظر في حقائقها ؛لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري وقصوره من خلل فيها كذلك ، والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه عن أسبابه، ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس، لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة ، وغاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الإجزاء والامتثال ، وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أولاً فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحدٍ غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه ، وصار علمُ الشريعة على صنفين ؛صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا ، وهي الأحكام العامة في العبادات والمعاملات وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمتواجدات العارضة في طريقها ، وكيفية الترقي فيها من ذوقٍ إلى ذوقٍ ، وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك .
|