|
ظهر لنا بوضوح منذ زمن بعيد أخذ الصوفية في ابتداع طرق وأساليب جديدة غير مأمونة ولا مطروقة .. فتكلموا عن الأحوال والمقامات وأشاروا إلى البسط والقبض والحب والرجاء وغير ذلك من أحوال باعدت بين الصوفية وبين أهل الفُتيا والرسوم بحيث إن هؤلاء الآخرين ـ أعني أهل الفُتيا ـ ثاروا على الصوفية وتآمروا ضدهم وناصبوهم عداءً مريراً؛ ما أودى بالكثيرين منهم إلى نتائج محزنة ويظهر أن هذا العداء بين الصوفية والسلفية المغلقة ومنهم (( الوهابيون )) ومن على شاكلتهم لم يظهر إلا بعد أن تكتل الصوفية في فرق وطوائف وتجمع المريدون حول مشايخهم وأقبلت العامة على هذه الحلقات وأخذ الناس يغترفون من معين الولاية الصوفية ويقبسون البركات من أئمة الصوفية . وبذلك أضحى هؤلاء الصوفية محط الانتباه وفي مكان الصدارة عند المسلمين كافة .. ولما كان الوهابيون يكفّرون جميع المسلمين الذين لا يتبعون منهجهم المغلق فقد التف المسلمون حول المتصوفة وقد أحس الوهابيون أن ثمة طائفة جديدة محببة إلى نفوس المسلمين أخذت تظهر ويبزغ نجمها وبدأت تزحزحهم وتحتل مكانتهم في محيط العبادات الإسلامية فكان حقد الوهابية على الصوفية نتيجة لهذا وبدأت تكيل للصوفية التهم وتحوك ضدهم المؤامرات وتنقل عنهم الأقاويل والشطحات التي تظهرهم بمظهر الملاحدة المنحرفين عن العقيدة وبذلك يحق عليهم القتل والانحراف والتشريد ونحن نعرف أن أكثر هؤلاء الصوفية لم يقابلوا عداوة الوهابيين لهم بمثلها بل كانوا على درجة كبيرة من الأخلاق السامية اختصوا بالرياضات النفسية والروحية المؤدية إلى الكشف واستجلاء كوامن الغيب وأسرار الحضرة الإلهية وحذروا الناس وخاصة المريدين من أتباعهم من أمراض النفس التي تعوق طالب الحق وتمنعه من أن يندرج في طريق السالكين .
لقد كان التصوف النقي – دائماً – ميداناً للأخلاق السامية ومناطاً لسماحة الإسلام وكانت هذه الصفات التي ارتبطت وعرفت عنه ترجع إلى انكباب الصوفية على العبادات الحقة وقد سمى البعض التصوف بعلم الإرادة – أي العلم الذي ينمي ويقوي إرادة الإنسان فيسيطر بها على نوازع نفسه الشريرة ويتحكم في نفسه ويسيرها كما يريد .
|