|
كتاب اليقين نص لمحي الدين بن عربي , ننشر له تحقيقا ودراسة على هذا الموقع , كما حققه حامد طاهر ونشرته مجلة ( عيون المقالات ) العدد 3 , 1986 ونص رسالة ابن عربي يحمل كثيراً من العلامات التي أشرنا إليها في الحلقة الفارطة , فقد حدد فيه ابن عربي زمان تأليفه وهو سنة 590 هـ عقب عودته من زيارة قام بها إلى تونس , حيث يوجد شيخه الأثير عبد العزيز المهدوي . وبذلك يكون قد كتبها وعمره ثلاثون سنة ولكنه لا يحدد مكان كتابة الرسالة , ومن المعروف أنه عاد بعد ذلك إلى أشبيلية , بد أن توقف حينا في تلمسان لزيارة قبور بعض الأولياء الذين دفنوا خارج المدينة .
( انظر : آسين بلاثيوسى ) ابن عربي 38 – الترجمة العربية ) أما سبب تأليف تلك الرسالة فيرجع إلى بعض عبارات الشيخ المهدوي لتلاميذه بعامة , ولابن عم ابن عربي نفسه , الذي كان تلميذا للشيخ المهدوي بخاصة , وكذلك ليستعمله ابن عمه في تدريسه لطلاب التصوف , وهي تدور في معظمها حول الولاية والنبوة وعلاقتيهما، أما مؤلفات ابن عربي نفسه التي ترد في أثناء الرسالة فأهمها كتاب ( التدبيرات الإلهية ) أشار إليه مرتين , وثانيهما رسالة مازالت مخطوطة حتى اليوم بعنوان (البحث والتحقيق , عن السر الذي وقر في نفس الصديق ) .
وبالإضافة إلى ذلك يعد ابن عربي مرتين بتأليف كتاب خاص عن فضائل الشيخ عبد العزيز المهدوي ونعرف من جهة أخرى أنه لم يحقق هذا الوعد , مكتفيا بما ذكره – فيما بعد – عن الشيخ المهدوي في كتاب (روح القدس مختصر الدرة الفاخرة ) أما الكتب التي يشير إليها ابن عربي لمؤلفين سابقين عليه , والتي ذكرها فيما بعد ضمن ما قرأه , واعتز به فأولها المواقف للنفري , وكتاب( الحكمة) لابن برجان , وأخيراً كتاب لوامع أنوار القلوب , في أسرار المحبوب الذي لم نتبين تماما إلا كنية مؤلفه وهي أبو القاسم .
وتأتي بعد ذلك أسماء الشخصيات الصوفية التي ذكرها ابن عربي في نص رسالته , ونقرر بأنها تتردد كثيرا بنفس الدرجة من الإحترام والتوقير في سائر مؤلفاته وعلى رأسها ( الفتوحات الملكية) وفي مقدمة هذه الأسماء : عبد العزيز المهدوي , أبو مدين , أبو محمد جراح , أبو يزيد البسطامى , وتلميذه أبو موسى الدبيلي أبو الحكم بن برجان , وابن الريف .
فإذا انتقلنا إلى أهم الأفكار الأساسية التي ترد في الرسالة , وجدناها إما مطابقة , أو ممهدة , لأفكار ابن عربي التي عرضها بكثير من النضج والتركيز في مؤلفاته المتأخرة .
وسنشير إلى هذه الأفكار حسب ترتيب ورودها في نص الرسالة :
1. فكرة الأمر الإلهي بالتأليف , نشر الفكر الصوفي على الناس .
2. فكرة استمرار الوحي الإلهي عن طرق إلهام الله للصوفية ( مع الإستعادة من القول باكتساب النبوة ) .
3. فكرة تفضيل البقاء على الفناء .
4. نقد رأي المعتزلة في صفة الكلام الإلهي .
5. فكرة اتساع القلب الإنساني , إمكانيته الروحية لتلقي عالم الغيب .
6. فكرة وحدة الوجود التي ترد في الفقرة الأخيرة عندما يقول : (فنحمد الله الذي لا إله إلا هو , ولا حامد ولا محمود سواه ) وأخيراً فإن لغة ابن عربي في الرسالة تقدم هي الأخرى دليلا عل صحة نسبتها إليه فهي لغة دقيقة واضحة على من يتعود عليها مليئة بالإشارات , ومحاولة الإلغاز عند التعرض لفكرة وحدة الوجود بصفة خاصة فإن أسلوبه في الرسالة يتمشى تماما مع أسلوبه في سائر مؤلفات المرحلة الأولى : وهو يتميز بالسجع إلى حدما وبالعناية أحيانا بالمحسنات البلاغية , لكننا لا نستطيع قط أن نصفه بالتكلف , كذلك فإن ابن عربي يستشهد في مواطن متعددة بشعره هو أو شعر غيره الذي يتناسب مع الفكرة التي يعرض لها وأهم من الإستشهاد بالشعر استخدامه المدهش لآيات قرآنية , يقتصر أحيانا على أجزاء قليلة منها حتى يخدم غرضه الخاص, أما الأحاديث النبوية فإنها تقتصر على مجموعة بعضها صحيح وأكثرها ليس كذلك , وهو يكثر من تردادها إلى الحد الذي يوهم قارئه أنها صحيحة من مثل : ( إن من العلم المكنون مالا يعلمه إلا العالمون بالله ) .
والحديث القدسي ( ما وسعني أرضي ولا سمائي , ووسعني قلب عبدي) وإذن فلكل هذه الأسباب يمكننا أن نقرر – مطمئنين وثاقة هذا النص إلى ابن عربي , واعتباره واحداً من النصوص صحيحة النسبة إليه .
|