من أدوار التصوف الإسلامي

 

     بيّنا فيما سبق كيف أن التصوف بالمعنى الحقيقي المفهوم من هذه الكلمة لم يُعرف قبل القرنين الأولين _ البحريين ، إذ كان الزهد يسود بنوعيه الساذج والفلسفي ؛ قبل اكتمال القرن الثاني وقد ذكرنا كذلك أن الزهاد كانوا يسمون بالنساك والقراء والسائحين والفقراء والبكائين ، وكانت هذه الطوائف في البلاد التي عاشت فيها تتمسك حرفياً بتعاليم الدين وتزهد في الدنيا .. ويقول القشيري عن هذه الطائفة في خبر عن أبي حمزة البغدادي :
" إن علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد غنى ، ويذل بعد العز ، ويختفي بعد السمعة".
كان التصوف إذن في هذه النشأة الأولى يحض على هجر زخرف الدنيا ، ويدفع المسلمين إلى التعمق في المفاهيم الدينية ، ففي الوقت الذي أوغل فيه طائفة من علماء المسلمين في مناقشة قضايا الشرع ، والعمل على إثراء علم الفقه ومحتوياته .. نجد طائفة أخرى وقد انتحت مكاناً قصياً في المجتمع الإسلامي، وأدارت ظهرها لذلك الجدل الفقهي العقيم .. وأقبلت على فقه من نوعٍ آخر هو فقه القلوب ، رغبة في التطهير ولقاء وجه الله الكريم، فاتجهوا إلى باطن الشريعة يبتغون القرب عن طريق المحبة ويتزودون بأحكام الباطن التي هي قوت القلوب المؤمنة .
وإذن فقد اتضح لنا أن ثمة تياراً جديداً نشأ على أنقاض الزهد الساذج وبتطور عميق لمفاهيمه .
هذا التيار الجديد هو تيار الزهد الفلسفي ، واكتملت عناصره فنشأ علم التصوف بمعناه الحقيقي، و أصبحت له كتبه و مصطلحاته وعلماؤه .
وقد فسّر علماء التصوّف ممن يميلون إلى التشيع اتجاه الزهاد والنساك إلى هذا الطريق،أي إلى البحث عن أحكام الباطن بأنه بداية لتلقي التأثير الشيعي ، ذلك لأن بعض طوائف الشيعة أخذت بمبدأ تأويل القرآن والسنة فجعلت لكل آية ظاهراً وباطناً .
وقالت بأن باطن الشريعة لا يتضح إلا للإمام المعصوم، وإن سلسلة الأئمة المعصومين ترجع إلى علي بن أبي طالب صاحب علم الباطن في نظرهم . بل إن نفراً من متطرفي الشيعة أرجعوا التأويل وأسرار التنزيل إلى " سلمان الفارسي " وقالوا إن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ كان يتلقى النصوص عن الوحي بظاهرها دون فهم بواطنها . أما سلمان الفارسي فقد كان يتلقى إلهاماً مباشراً من الله . وكان يتلقى معاني التأويل و يخبر بها الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ ولهذا قال عنه الرسول _ عليه الصلاة والسلام ( سلمان منا آل البيت ) فكأنه وضعه في منزلته ، ولكن هؤلاء المنحرفين المتطرفين لا يكتفون بوضع " سلمان " هذا الموضع الذي يزري به هو أولاً وقبل كل شيء مع ما نعرف عنه من التقوى والصلاح ، بل إنهم يتزيدون عليه فيضعونه في مرتبة أعلى من مرتبة النبوة ؟! وقد كان السبب في انتشار هذه البدع يهودي أفاق هو " عبدالله بن سبأ " ويبدو أنه بموت " جعفر الصادق " سنة 147 هـ أخذ بعض الشيعة يشعرون بانفصالهم الظاهر عن مجتمع أهل السنة ، وأخذوا يؤولون كلام " جعفر الصادق " تأويلاً باطنياً خرج به عن حقيقته . فقد كان جعفر الصادق لا يؤمن ولا يقول بالفرقة بين المسلمين وكان من تلامذته " مالك بن أنس " رضي الله عنه .. ونرى بعد جعفر الصادق أن علماء الشيعة هؤلاء يرون أن منهج التأويل الباطني الذي يستعمله الصوفية استعاروه من أهل التشيع ، وهم في هذا الموقف يتسرعون في إصدار الأحكام دون فحص علمي دقيق لحقيقة تطور الأمور في هذه الفترة ، فنحن إذا ما تعرضنا للنشأة الإسلامية للزهد ، واستعرضنا أحكام الفقه ونشأته كعلم قائم بذاته .. و إذا ما ألقينا نظرة سريعة إلى أحوال الفقهاء وتعصّبهم للنص .. إذا ما وضعنا كل هذا أمام أعيننا ثم تفحصنا هذه الظاهرة الجديدة وهي نشأة الزهد أحسسنا أن ثمة تعارضاً أو أنه كان لابد من أن يكون ثمة تعارضاً أو أنه كان لابد من أن تكون ثمة نقطة هي مفترق الطريق ينشأ عنها تيار روحي معارض للتيار الفقهي المتزمت ، وأن يكون من لوازم هذا التيار الروحي التسلح بمنهج جديد هو منهج التأويل الباطني .
إذن فقد كانت طبيعة التطهر في الحياة الروحية والعقلية عند المسلمين هي التي دعت إلى نشأة منهج التأويل الباطني عند المتصوفة .
ولهذا فقد جاءت نشأة التأويل الصوفي نشأة طبيعية لم يكن يحتاج أصحابها إلى تلمس مكانها عن أهل التشييع وغيرهم ، فهو منهج يختلف عن منهج التأويل الشيعي ، منهج يقوم على التأويل والإستغراق ومعاناة الإستنباط للنصوص الدينية وأحاديث الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يقول أبو عبدالرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية : " إن هؤلاء الصوفية قد انتهوا إلى أن للقرآن باطناً لا ينكشف إلا لخواص أهل الله " وقد استعمل الصوفية لقنص هذا الباطن وكشفه منهجاً خاصاً بهم ، هذا المنهج يسمى بمنهج الإستنباط ، وهذا غير طريقة التأويل المقصودة التي اتبعها بعض أهل التشيع مفسرين بها معاني القرآن الكريم لكي تتلاقى مع مواقفهم ولا سيما مواقف الغلاة منهم بقطع النظر عن أسباب التنزيل وغاياته واتجاهاته ومواقفه التاريخية ، فالفرق واضح إذن بين المنهجين ولهذا فنحن نرفض دعوى الشيعة باستمداد أهل التصوف لمنهجهم في التأويل من منهج التأويل الشيعي المنحرف .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية