|
إنطلاقاً مما توصلنا إليه في استعراض النظريات التي تحدثت عن نشأة التصوف في الإسلام ، نخلص إلى القول إن التصوف باعتباره ظاهرة روحية لها شأنها وأثرها في المجتمع الإسلامي ، هو إسلامي في نشأته على الأقل،ومن ثم، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت ، تأثر بتلك الثقافات، واكتسب عناصر جديدة أثرت في تطوره .
وبالجملة فإن مصادر التصوف الإسلامي هي داخلية وخارجية .
أ _ داخلية تمثلت في القرآن، في شخصية النبي _ صلى الله عليه وسلم والحديث الشريف ، وعلم الكلام .
ب _ خارجية تمثلت في العناصر الهندية، الصينية، اليونانية، المسيحية .
المصادر الداخلية _ الإسلام :
ينطلق الصوفية من الإيمان المطلق بأصول الدين الإسلامي، أول ما يحتاج إليه التصوف من الحكمة كما يقول الجنيد هو :
" معرفة المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، ويذل لدعوته ويعترف بوجوب طاعته "
ويضيف الجنيد كذلك :
" التوحيد علمك ولإقرارك بأن الله فرد في أزليته لا ثاني معه ولا شيء يفعل فعله "
وهذا ما يذهب إليه ذو النون المصري بقوله إن التوحيد : " هو أن تعلم قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج، وليس في السموات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله، وكل ما تصور وهمك فالله بخلاف ذلك " .
هذا نزر يسير مما يستفيض به الصوفية في الكلام عن التوحيد وعن العقائد الإيمانية التي ينطلقون منها ويستندون إليها ؛ من هنا فإننا نتحدث عن الإسلام مصدراً من مصادر التصوف، حيث يتجلى ذلك في القرآن في شخصية النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وفي الحديث النبوي وفي علم الكلام .
أ _ القرآن :
الإسلام كسائر الديانات السماوية، قلل من شأن الحياة الدنيا وحقرها، كما عظم من شأن الآخرة وأعلاها ؛ وقد وعد الله سبحانه وتعالى المتقين بمعاد مسعِدٍ إن هم آمنوا وامتثلوا لأوامره وانتهوا عن نواهيه وتعففوا عن محارمه :
و((اعلموا انما الحياة الدنيا لعب و لهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد....)) الحديد: 20 .
(( وما هذه الدنيا إلا لهو ولعب ، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون )) العنكبوث: 64
وقد كان للآيات أثرها في دفع أتقياء المسلمين إلى التقرب من الله بالعبادة والمجاهدة والزهد في الدنيا طمعاً في الثواب وفراراً من العقاب، فقد حركت الآيات في النفس الإنسانية فكرة القيامة وحث القرآن على الورع والتقوى، وعلى هجر الدنيا وزخرفها؛ فكانت الدعوة صريحة للعبادة والتبتل والتهجد وقيام الليل .
( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً ) المزمل :7
( الله نور السموات والأرض ) النور : 35
( كل شيء هالك إلا وجهه ) القصص : 88
هذه الآيات وغيرها كثير، لاتكل ألسنة الصوفية عن ترديدها، لأنهم نظروا إلى الله نظرتهم إلى المحبوب بالذات، فامتزج حسهم بشيء من الرهبة والخوف، حيث إن الآيات حركت في قلوب المؤمنين مشاعر الخوف، فالله متكبر وجبار ( الجبار المتكبر ) الحشر:23 .
إنه سبحانه منتقم كذلك : ( لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ) آل عمران : 40
كما حركت في قلوبهم مشاعر الرجاء كذلك، فالله سبحانه رؤوف رحيم : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) البقرة : 143،إنه ودود ( إن ربي رحيم ودود ) هود : 90،
( وهو الغفور الودود ) البروج : 14.
من الطبيعي أن يكون لتلك الآيات أثرها في دفع أتقياء المسلمين إلى التقرب من الله بالعبادة والتهجد والزهد طمعاً بالثواب وخوفاً من العقاب وهذا ما يعنيه قول الحسن البصري الذي سبق : " مثقال ذرة من الورع السالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة " .
نتلمس لهذه الآيات صدى في كثير من نظريات التصوف ، أبرزها وحدة الوجود عند ابن عربي والمحبة الإلهية عند رابعة العدوية وابن الفارض وغير ذلك .
|