الكتابة الصوفية واحتجاب المعنى

 

" أما العالم في نفسه فليس إلا خيالاً وحلماً يجب تأويله لفهم حقيقته "
                                        ابن عربي

 
 

    الشعر والمعنى
في الشعر سرُ لا يدركه إلا الشعراء لذ اعتبر الصوفية الشاعر مصنوعا على عين الله.....جسمه في الأرض وقلبه في السماء يتسقط أخبار العالم العلوي الذي يمده بومضات إلهية بها يكون شعره نارا تهجم على الأفئدة بغير حجاب .
والشاعر مؤتلف مع ذاته، بعيد عن تعقيدات الحياة .." وفطرة ...وجوهرة قبل الصياغة ..وهو طفل كبير، أمه الحقيقية, وكعبته آمال خضر يشده إليها حنين روحاني غامض .. وهو مكبل بتناقضات المادة والروح ..همه التعبير عما يحس به، وغايته إرضاء نزعة النفس فيه ..وهو معيار الحقيقة، ونجم يضيء ويهدي السائرين إلى الاتجاه الصحيح، والصراط الذي مده الله لعباده الذين اصطفى.
وما علم الشعر الذي يدعون إليه إلا صفات لن تنال من الشعر إلا ما يظهره، أما سره فلن يستجيب للعلم لأنه لا يستقر على حال، وبذلك فإن العلوم تنتهي عند عتبة الشعر لأنها علوم لا تدرك أن الشعر مجالسة، وذكر وتذكر،حيث الجليس لا يستأذن ولا يستجير وإنما يرى كيف يعيد الشاعر تشكيل الكلمات والأشياء : ناراً ونوراً، هماً ووهماً، ائتلافا واختلافاً .فمن دخل حضرة الشعر بالعلم عاد من حيث أتى، ومن قصده للمجالسة خرج الشعر إليه وأدخله حضرته التي يمحى فيها العلم ويحترق العلماء بنار الشعر، وهي نار محرقة ولكنها في الوقت نفسه نور، يقول هيدجر :" إن الإنارة لا تقتصر على إضاءة الكائن، وإنما هي قبل ذلك تجمعه وتؤمنه في الكينونة ...إن الآلهة والبشر لا يستضيئون فحسب بنور معين ..إن النور يغمر ماهيتهم لأنهم مستنيرون أي مجموعون في حدث الإنارة . ولهذا السبب فهم لا يحجبون أبداً بل يكشفون " وبذلك فإن في الشعر سرا لا تراه ولو كان هذا السر مكشوفاً ما طلب الشعر إلى الآن وما كان له عباد يستعظمونه.بهذا الفهم للشعر تندرج تجربة الشاعر المغربي أحمد العمراوي في ديوانه " مجمع الأهواء " خاصة في النصوص الشعرية الآتية : شطحة - ريح الضوء - مجمع الأهواء - أنا الآخر....وغيرها من النصوص؟ وهي نصوص تمتح في جزء كبير منها من المتخيل الصوفي الإسلامي خاصة عند ابن عربي والنفري والبوني وجلال الدين الرومي والقشيري وغيرهم جاعلا بذلك من الشعر مقام إشارة حيث لا يدرك المعنى إلا بالتماهي والمجاهدة والمكاشفة والمحو والتقلب، فهو لا يأتيك وإنما ترحل إليه، وعندما أقول إنه يمتح من التجربة الصوفية فهذا لا يعني أنه يشحن النصوص الشعرية بالمعتقدات الدينية بل إننا ننظر إلى هذه التجربة على مستوى الكتابة الشعرية بوصفها تعكس رؤية غنية وتولد أسئلة تكشف عن العالم الخفي للإنسان واللغة والوجود دون أن تتقيد بمعايير محددة أو تخضع لنظرية جمالية ما .
ونسعى من خلال هذه المقاربة النقدية إلى الوقوف على الحضور الصوفي في العديد من نصوص ديوان "مجمع الأهواء " ليس بمعناه الديني التقليدي، وإنما باعتباره تجربة جمالية في الكتابة تسعى إليه توسيع حدود الشعر دون أن تقيده لأن هذه النصوص تجليات تتعذر الإحاطة بها واستنفاذها لذا فما نقدمه من قراءة نعتبره إضاءة نحاول من خلالها الإنصات إلى هذه النصوص عبر البحث والكشف والسفر في الحب والرؤيا الشطح والمعمار النصي .
    الحب والمكان
في الحب لذة لا لذة قبلها ولا بعدها لذلك اقترن الحب بالقلب لأنه يتقلب مع أحوال المحبيين ولا يسمى الحب حبا إلا إذا أسكر صاحبه عن كل شيء إلا عن محبوبه، والمحبة كما يقول ابن عربي مقامها شريف، وهي أصل الوجود، وترتبط بالقبول والرضى ورفع الكلفة، قال ابن عربي (ترجمان الأشواق وذخائره الأعلاق) .
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالدين ديني وإيماني.
والمحبة عند العلماء بها والمتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد، فيعرفها من قامت به ومن كانت صفته، ولا يعرف ما هي، ولا يفكر وجودها، ومن حد الحب ما عرفه، ومن لم يذقه شربا ما عرفه، ومن قال رويت منه ما عرفه، والحب درجات ومراتب : إلهي وروحاني وطبيعي، ولمقام المحبة أربعة ألقاب : الهوى والحب والود والعشق. وقد ارتبط ديوان الشاعر أحمد العمراوي بالأهواء بدءا بعنوان الديوان : " مجمع الأهواء " حيث يحيل لفظ المجمع على المكان والملتقى أي مكان التقاء الأهواء والجمع بينهما حتى لا تتفرق وفي ذلك رغبة للقبض على هذا المقام خاصة وأنه مقام عظيم فهو يشكل أول خطوة للوصول إلى اليقين أي حضرة الجمال المطلق ومنه مجمع البحرين، أي ملتقاهما في قوله تعالى " إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين " أي ملتقاهما، ويكون المجمع اسما للناس وللموضع الذي يجتمعون فيه وقد ربطه الشاعر بالأهواء أي بالميل والعشق والقلب جاعلا منه مأوى الجمع وفي ذلك دعوة إلى المجاهدة والمكاشفة وإشارة إلى ما يقذف في القلب من حب وعشق ومعرفة ، فإذا أحب العبد جعل قلبه لا عقله مجمع أهواء، فيكون بذلك جامعاً لأول مرتبة من مراتب الحب (الهوى ) حيث لا تتفرق أهواؤه، وإنما يجمعها لتصبح معبرة عن حاله، فالهوى هو سقوط الحب في المحب، ويختلف الناس في هذا المقام بحسب تباين أحوالهم ودرجة هواهم، فقد رأى بعضهم مجنون بني عامر في هذا المقام، فقال ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : غفر لي وجعلني حجة المحبين .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية