الولاية والنبوة عند محي الدين بن عربي نص لم يسبق نشره

 

        " يسم الله الرحمن الرحيم "
                                                          " وبه نستعين "

قال العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن علي بن العربي الحاتمي الطائي ، عفا الله عنه : كتبت بهذه الرسالة إلى صحب الشيخ الفاضل العارف أبي محمد عبد العزيز بن أبي بكر ، القرشي ، المهدوي ، رضي الله عنهم – عند رجوعي من عنده من تونس ، أمنها الله ، سنة تسعين وخمسمائة : كتبت بها إليهم عامة ، ولابن العم الشيخ الصالح أبي الحسين على بن عبد الله بن محمد بن العربي خاصة ، ليطرز بها ميعاد تدريسه ، ويجعلها روحا لربيع القول ونفيسة ، رضي الله عنه ، فأقدم ما ينبغي أن يقدم ، وبه أختم وأتمم :
الحمد لله رب العالمين حمد انية ، لاحمد هوية ، حمداً منزها عن النماء ، موجودا قبل الماء ، معتليا عن الصفات والأسماء ، يكون قدوة لجميع المحامد المتفق عليها ، والمختلف فيها ، ومادة لألفاظها ومعانيها ، والصلاة على حقيقة المحقق ، والمثبت الممحق ، صلاة تتخذ بالآلية ، على صاحب الحضار القدسية ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وشرف وكرم .
أما بعد ، أصلح الله سرائركم ، وصفى من كدرات الشبه ضمائركم ، ووفق ظواهركم للإسلام ، وزين بواطنكم بالإيمان الوافر التام ، وجلى خواطركم بالأسرار السنية الواردة من عين الحقيقة على أفئدة أهل الإلهام ، فإني أمرت ممن إليه آنفا أشير .
وذلك أن الله جلت قدرته ، وعظمت منته ، وعمت البر والفاجر نعمته ، لما حجبني عن تفضلي ، ونزهني عن تجميلي ، أدخلني حضرات جمة ، على قدر ارتقاء الهمة ، حتى انتهيت وما انتهيت ، ورأيت وما رأيت ، وأتاني في حضرة الهوية الخطاب ، بإبراز هذا الكتاب ، وإخراجه إلى العالم المحسوس ، وتعريفهم بإنزاله من حضرة التقديس ، على الجوهر النفيس (لا يمسّه إلا المطهرون ) من التخييل والتلبيس ، وقيل لي : خذه بقوة ، وأخبر كل من تراه وحققه ، وأمعن النظر فيه ودققه ، إن وقف مع الاضداد في ظاهره كان له ران على قلبه لا يفتح باب ، ولا يبدو لسره لباب ، ولا ينبغي أن يقف عليه إلا الوارثون ، لا العارفون ولا الواقفون ، إذا المعرفة حيرة ، ويثبت الواقف غيره .
فإن قيل : كل خطاب حجاب ، وهذا خطاب فهو حجاب ، وأنت تدعي أن لا حجاب . فلتقل : لا تسع العبارة أكثر من هذا المقام ، وإلا لو تركنا وحدنا لما تصور خطاب ولامراجعة. فلما اضطررنا إلى التوصل ، فتحنا باب التفصيل . قال الله عز وجل ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ) وقال تعالى ( قل هو الله أحد ) . فإن قيل : ولعلك جريت على أسلوب من تقدم ، وعما أودعوا في كتبهم وترجموا قيل عند ذلك : ( والقمر قدرناه منازل ) وهو كمال الوجود ، وان اختلفت العبارات ، وزاد آخرون اثني عشر اسما ، ليس مسمياتها سوى هذه الثمانية والعشرين ، تم قيل له : أما لك نظر في ( ... ) ما أنت إلا ممن قال أساطير الأولين .
أما رأيت التوراة والإنجيل ، والصحف والتنزيل . أما كان يكفي كتاب واحد من أولئك ، فكذلك ألهمه ، سبحانه لأوليائه .
قد يفتح لشخص ما غير ما يفتح لشخص آخر ، بل لا يتصور إلا هذا لكن بعض الفتوح أكمل من بعض ، وإلا لو كان لكل واحد من سالكي طريق الله تعالى ، الواصلين لعين الحقيقة فتح يخصه ، ويستحيل أن يتصل به الآخر ، لما فهم بعضهم عن بعض ، ولقام الجاهل وساق كلاما سفسافا ، وقال : هذا فتح من الله ، ولا ينكر عليه ، إذ لا برهان إلى ذوق ، ولا دليل على فتح . فللمدعي أن يدعي وليس الأمر كذلك .
فإن قيل لك : كيف يقدم هذا ، وألا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت تدعي خطابا وكتابا منزلا ، فادعيت النبوة بلسان الحال ، وهذا يفتح من لسان القال ، فقل له : إن كان انقطع جبريل ، عليه السلام ، فما انقطع عن حدود الأولياء الإلهام . وقد أودعنا للرد هذا الإعتراض والكيفية لحصول هذه العلوم في آخر الكتاب ، ولنمهد هنا طرفا يقع التأنيس به لما يرد في داخل الكتاب من غوامض الأسرار ، ولباب التوحيد مهاد .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية