|
تقول الرسالة التي ننشرها لأول مرةٍ ، والتي تحمل عنواناً محدّداً ضمن مجموع لابن عربي موجودٍ بمكتبة الأزهر ( رقم 941 حليم _ 33575 تصوّف ) ويشتمل المجموع على الكتب التالية :
* كتاب التجليات الإلهية ( الذي سبق نشره ضمن رسائل ابن عربي طبعة حيدر أباد - الهند 1948 ) ، ثم قام عثمان يحي بتحقيقه منفصلاً في مجلة المشرق - بيروت 1964 ).
* مشاهدة الأنوار القدسية ( لم يُنشر بعد ) .
* كتاب اليقين ( لم يُنشر بعد محققاً ).
وتستغرق الرسالةُ 56 صفحةً ( 40 أ - 96 ب) وهي مكتوبة بخط نسخٍ واضح في معظمه، يتخلله أحياناً بياض في الأصل ، كما توجد بها عدّة كلماتٍ لم نتمكن - بعد محاولاتٍ كثيرةٍ - من قراءتها .
وقد ذكر الناسخ اسمه وهو مصطفى القرافي الباسطي ، كما حدّد الإنتهاء من نسخ المجموعِ كلّه في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة سنة 1113 هجريةُ أي أن هذا المجموعَ قد مضى على كتابته ما يقرب من ثلاثة قرونٍ .
تحليل نقدي للرسالة :
يبدأ ابن عربي رسالته بالإشارة إلى أن ما تحتوي عليه يرجع أساساً إلى الفيض الإلهي المتنزل عليه ، وأنه مأمور بإذاعته وتبليغه ، ليس لكل الناس ، وإنما لمن يفهمون هذا المستوى الخاص من الإلهام وأن هذا الإلهام يختلف تبعاً لسالكي طريق الله ، فإن " بعض الفتوح أكمل من بعض " وهو يسرع فيثير اعتراضاً مؤداه أن هذا الإلهام يشبه وحي الأنبياء والرسل، ويجيب على ذلك بأنه إذا كان جبريل عليه السلام قد انقطع اتصاله بالرسل " فما انقطع عن صدور الأولياء الإلهام " .
وينتقل ابن عربي من هذا الرد واعداً بتفصيل أكثر في نهاية الرسالة ، لكي يستعير أسلوب " النّفري " صاحب كتاب " المواقف " ويخبرنا بأنه وقف موقف " الصدّيقة " وهو من أسمى المواقف الصوفية ، وفيه تيقن من أن العلماء ورثة الأنبياء، وإنما يرث الرجل أقرب الناس إليه، مشيراً بذلك إلى تولّي أبي بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . لكن ابن عربي يقصر مصطلح " العلماء " على " الصوفية " وحدهم .
ثم ينتقل بعد ذلك إلى سبب تأليف هذه الرسالة ، وإنها شرح موجّه إلى ابن عمه وأصحابه وتلاميذه بصدد كلمة قالها شيخهم الكبير عبد العزيز المهدوي : " علماء هذه الأمة ، أنبياء سائر الأمم " ويعقب ابن عربي على هذا القول مصَدقاً . ثم يأخذ في شرح المقصود بكلمة " عِلم " ، ويرى أنها تحتوي على ثلاثة مستويات .
* علم التكاليف ، المقصود به علم الفقه .
* علم التصوف بمعناه السني ، مثل معرفة الزهد والورع والتوكل والصبر ... إلخ .
* علم التصوف بمعناه الفلسفي المتعلق بصفات الحق تعالى ،مثل : الجلال والهيبة والجمال والعظمة .. إلخ .
وهو يُقيم تقسيمَه السابق على أساس أن المعلومات محصورة في ثلاثة :
- علم يتعلق بحفرة الدنيا وأسبابها وما يصلح فيها .
- علم يتعلق بالحق ، علم ذوق وشرب .
وبما أن الأنبياء هم الذين جمعوا هذه العلوم الثلاثة ، فإن " العلماء " على الحقيقة هم الذين يرثونهم فيها .
ويشعر ابن عربي بجرأة رأيه في هذا الصدد ، فيتراجع قليلاً مؤكداً أن " آخر قدم يضعه الولي ، هو أول قدم يضعه النبي ، فبدايات الأنبياء ، نهايات الصديقين والأولياء .. "
وفي مجال عقد المقارنة بين الولي والنبي ، يرجع ابن عربي - كعادته غالباً - إلى الاشتقاق اللغوي لكلمة " نبي " في اللغة العربية . ويقرر أن هذه الكلمة قد تأتي مهموزة. وغير مهموزة ، فإذا هُمزتْ كانت من النبأ أي الخبر . وإذا كان النبي يتم إخباره عن طريق الملك ، فإن الولي يتم إخباره عن طريق الإلهام . وإذا كان النبي يخبر أمته بشريعة سماوية يكون قد أعلنها رسول قبله أو في زمانه ، فإن الولي يخبر أيضاً أمته بحقيقة هذه الشريعة .
ومن لم يُهمز كلمة النبي جعلها من النبوة ، وهي الرفعة، وهي تكون للعلماء والأنبياء معاً .
وهكذا يتضح بعد قليل أن ابن عربي يسوي بين الولي والنبي على مستوى كل من مصدر المعرفة والمهمة الإجتماعية، بل إنه عند التأمل في مصدر معرفة الولي وهو الإلهام المباشر من الله - سبحانه وتعالى -، نجده أقرب صلة بالله من النبي الذي يقوم الملك بدور الواسطة بينه وبين الله .
لكن ابن عربي يؤكد عدم وجود صلة مقارنة بين الرسول صاحب الشريعة المنزلة وبين الولي .
ولكي يؤكد رأيه هذا يستشهد بقصة موسى عليه السلام مع الخضر ، رمز العلم الذي عند الصوفية، حين صحبه في رحلةٍ قام فيها بدور المرشد لموسى عليه السلام . والمحيط بما لم يحط به خُبراً .
ثم يبيّن ابن عربي أن مقامات الأولياء تتفاوت ، وبالتالي تتفاوت كمية الأسرار التي ترد إليهم عن طريق الإلهام ، ويشير ابن عربي إلى أن اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- شرط أساسي في الولاية .
وأن الأولياء المسلمين هم الصحابة . ثم التابعون ثم تابعو التابعية .. وهكذا .. ولا شك في أن سماع سارية تحذير عمر بن الخطاب له مسافة أميالٍ أكبر دليلٍ على مرتبة الولاية التي قد تظهر أحياناً في خرق العادة .
|