التصوفَّ الإسلامي والواقع الاغترابي .. ح(4)

 

    الحلقة الرابعة

    أولاً : تشكلات الاغتراب التفكيري :-

    قامت هذه التشكلات على أفكار ونظريات دخيلة إلى ساحة الثقافة والاشتراع الإسلامي فنشأت ثم تطورت تلك الأفكار تحت إشراف النفوذ الغنوصي والتروع الاستبطاني الذي اتجهت نحوه عقول الصوفية النظرية فانغمست في لحجه ثم ارتفقت على ثبجه .
إن تلكم الأفكار تم إقامتها على أسس ثلاثة هي :-1.نظريات جاهزة ورثت عن الإغريق وفلاسفة الشرق كنظريتي إفناء ووحدة الوجود . مواجيد داخلية شخصية استشعرها الصوفي فعبَّر عنها، فظهرت في هيئة أفكار مغتربة عن مألوف ثقافته وثوابت عقيدته بمعالمها التقليدية .
3. تأملات ذاتية تمتاح من مساحات الخيال المبدع ذلك الخيال الخلاق الذي كان ابن عربي من رؤوس أربابه وأنوف رواده .
لقد كان من أهم روافد الاغتراب التفكيري ما جاءت به فلسفات الشرق ساحة إلى ساحة المسلمين والمتصوفين من أهم تلك النظريات الوافدة مايلي :-
1. نظرية الفناء التي ليس في الوسع نكران أصولها الهندية المنطلقة مما عرف بطريقة الباكي، وتدعى طريقة الحب، ومفادها ما عبر عنه الجرجاني بإيجاز حين عرف الفناء بأنه " عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت بالاستغراق في عظمة الله ومشاهدة الحق 2 وفي تلك الطريقة يتم الارتقاء إلى حالة تسمي " السامادي " فيتحقق الذهول والغياب عن الذات ظاهراً وباطناً 3 وهذا ما يسنح في غير جلاء ضمن كلام للجنيد البغدادي ، لكنه سيكون أوضح وأصرح لدى البسطامي والشبلي .2. نظرية وحدة الوجود هذه موروثات فلسفة الإغريق من لدن المذهب الأيوني الذي ذهب إلى أن مجموع الوجود هو الله ذاته . كما قد صرح بهذه النظرية " كسنوفان " (580 / 480 ق . م ) حيث جعل الألوهية حاضرة في العالم ومطابقة للوجود الثابت الذي لا يتبدل 4 3. نظرية الحلول هذه أتت من تراث المسيحية بعد أن عبث بها " بولس" وهي أي نظرية الحلول مما التقمه بعض الصوفية النظريين في سياق اغترابهم التفكيري والشواهد على ذلك كثيرة لعل من أصرحها ما نلقاه في أشعار ابن الفارض من ذلك قوله رامزاً للذات الإلهية بضمير المؤنث : لها صلواتي بالمقام أقيمها    ***    وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصلٍ واحد ساجد إلى ***  حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن *** صلاتي لغيرتي في آدا  كل ركعة 5 كما يقول :- ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفها وهيأتها إذ واحد نحن هيأتي 6

 
 

4 - تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون ، عمر فروخ ، ص 60 – 72 – 73 ويرى جولد زيهر أنها نظرية منتحلة من الأفلاطونية الجديدة انظر كتابه ( العقيدة والشريعة في الإسلام ) ص 144 .
5 - ديوان ابن الفارض دار النجم ، بيروت ، ط 1 – 1994 ص 87
6 - ديوان ابن الفارض دار النجم ، بيروت ، ط 1 – 1994 ص 87

 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية