|
الحلقـة الخامسـة
ثانياً :- تشكلات الإغراب التعبيري :-
لقد أنجز الصوفية النظريون اغتراباً ذريعاً على المستوى التعبيري وحصرياً في اللغة والأسلوب فظهر لهم لغة متميزة لم يألفها العربي وجاءت في مسبوكات أسلوبية غير تقليدية حتى صار مستألفاً أن تطالع نصاً صوفياً، فلا يسنح لك فيه ما يمكن استيعابه ، ولا تظهر لك منه بارقة معنى فقد صار جل كلامهم أقرب شيء إلى طلسمات أو ألغازٍ غابت دلالاتها في بطون أصحابها وقد حققت تلك اللغة اغتراباً تعبيرياً بامتياز .
جاء اجتراحهم إياها مقصوداً لأجل باعثين هما :-
1 – كي تبقي أفكارهم ومعانيهم في نطاق طائفتهم بمعزل عن إدراك الأغيار والمخالفين فهي تعابير وتصاريف داخلة نطاق المضنون به على غير أهله ونرى أن " القشيري " قد أكد هذا الغرض حين قال في رسالته عن المتصوفة إنهم " يستعملون ألفاظاً فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والإجمال والستر على من باينهم في طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب
.7
إن خفاء معاني كلامهم جعل التوحيدي يقول :" ما أحوجنا إلى عالم منطق يكشف لنا كلام هذه الطائفة .8
2 – الباعث الثاني :- كون اللغة التقليدية بتعابيرها وأساليبها قاصرة أو عاجزة عن الإفصاح الكاشف للمواجيد الصوفية وما يمور فيها من معانٍ وأفكار مجاوزة لما استقر في عقول غير المتصوفة ، ومفارقة لما استألفه عوام الناس وخواصهم من الخارجين عن نطاق التصوف النظري وأعماقه أولئك الذين وصفهم القشيري بالأجانب
9 وسمّاهم ابن عربي " علماء الرّسوم " 10 وجعل موقفهم من الصوفية كموقف الفراعنة من الرسل . إن هذا الموقف الخصومي ينم عن مدى العمق الخصومي غير التوافقي الذي كان عليه كثير من المتصوفة الذين عاشوا أجواء اغترابية ، في معزل عن جمهور الناس من العوام والخواص .
|