السلوكُ الصوفيُّ

 

     إن موقف الإسلام من معالجة السلوك الإنساني يغاير كل المذاهب الإنسانية سواء من حيث الشكل أو من حيث الدافع, أما من حيث الشكل فإن الإرادة الإلهية هي المدّ الوحيد لأنماطه الراسمة لحدوده فكل مناحي التصّوف الإنساني بينَّت الأوامَر والنواهي الإلهية التي ينبغي أن يستند إليها على نحو من الشمول والإستيعاب وذلك سواء ببيان الكيفيات ذاتها كما هو ظاهر في العبادات والأحوال الشخصية بالخصوص, أو بيان الأصول العامة والقواعد الأساسية التي ينبغي أن يستند عليها كل سلوك مالم تحدد كيفيته .
إن التحديد الإلهي للسلوك الإنساني هو باب الرحمة للإنسان , وغايته خير الإنسانية وسعادتها , قال تعالى : ( وما أرسناك إلا رحمةً للعالمين) .
أما من حيث الدافع فإن الإسلام يثبت الشعور بوجوب تطبيق الأمر الإلهي , وهذا الشعور إنما هو حصيلةُ لتصديقٍ جازمٍ لصورةٍ ذهنيةٍ قوامها وجود إلهٍ واحد متصفٍ بصفات الكمال , يرسل الأنبياء والرسل للناس مبشرين ومنذرين , وهذه الصورة متأتية بالخير الإلهي المُوحَى به , و هي ما يطلق عليه العقيدة .
ولا يخفى على الإنسان ما للعقيدة من أهميةٍ بالغة في تأثيرها على الفرد في جميع مراحل حياته , وفي كتاب عقائد المفكرين تحت عنوان : ما هي العقيدة الدينية ؟ يقول عباس محمود العقاد : (( إنما نعني بالعقيدة الدينية طريقة حياة لا طريقة فكر ولا طريقة دراسةٍ , إنما نعني بها حاجة النفس كما يحسها من أحاط بتلك الدراسات ومن فرغ من العلم والمراجعة ليترقب مكان العقيدة من قرارة ضميره إنما نعني بها ما يملؤ النفس لا ما يملؤ الرؤوس , أو يملؤ الصفحات )) .
والعقيدة الإسلامية عقيدة استعلاء من أخّص خصائصها : أنها تبعث في روح المؤمن بها الإحساسَ بالعزة من غير كبر , وروح الثقة في غير اغترار وشعور الإطمئنان في غير تواكلٍ .... حقيقةُ أساسيةُ من حقائق الوجود , وهي في ذاتها كفيلة بتعديل القيِم والموازين , وتعديل الحكم والتقدير وتعديل المنهج والسلوك , وتعديل الوسائل والأسباب .. وإننا إذا ما قارنا هذا الموقف الإسلامي بمواقف المذاهب الفلسفية تبينت لنا عدة نقاط يختلفان فيها .
منها أن شكل السلوك في تلك المذاهب تحديده ذاتي نابعُ من الإنسان وهو لذلك ليس محدَّد المعالم مسبقاً بل هو رهين ما يسفرعنه الدافع .. أما في الإسلام فإن مصدر التحديد علوي هو الله سبحانه وتعالى ولذلك كان التحديد مضبوطاً مسبقاً ومنها أن الدافع في تلك المذاهب هو دافع ذاتي صرف لذلك فإنه يتغاير بين مذهب وآخر .. أما في الإسلام فإنه باعتبار محتواه الذي هو تلك الصور الذهنية الغيبية المتعالية المصدر إذ أنه من إعلام الله سبحانه وتعالى ولذلك فهو موحد عند الجميع ولكن باعتبار تبني الأفراد له , وتحملهم إياه يصبح حاملاً لعنصرٍ ذاتي من هذا الوجه ومنها إذا كانت عامة المذاهب الفلسفية تجعل الغاية من السلوك شكله بحيث أنه إذا تحقق الشكل الذي يقتضيه الدافع فقد حصل المبتغى , إن لم يكن صادراً فعلا من ذلك الدافع , فإن التعاليم الإسلامية قد جعلت همها في الربط بين الدافع والسلوك فجعلت الصلة بينهما صلةً عضويةً , حتى إن تحقق أحدها دون تحقق الآخر لا يعتبر شيئاً مذكوراً وقد عبر ابن خلدون عن هذا المعنى فقال : (( أعلى مراتب الإيمان حصول كيفية من ذلك الإعتقاد القلبي الموافق للسان وما يتبعه من العمل مسؤولية على القلب فيستتبع الجوارح وتندرج في طاعتها جميع التصرفات , حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني . فأي سلوك لا يكون دافعه الإيمان فإنه لا يعتبر سلوكاً مقبولاً من الوجهة الإسلامية وإن كان ظاهره يلائم الأوامر والنواهي الإلهية , فالسلوك لكي يكون سلوكا مقبولا معتداً به في النظر الإسلامي لابد أن يتحقق فيه شرطان .
أولهما : أن يكون ثمرةً للعقيدة متأتياً من دافعها .
وثانيهما : أن يكون مطابقاً للحدود التي رسمتها التعاليم الإسلامية من حيث الشكل ... ومن الأمور التي يعتمد عليها السلوك الإنساني الغاية , ولاشك أن لكل فعلٍ إرادي مقصود للذات الإنسانية غايةً أساسيةً تكمن خلف السعي نحوه وتكون غرضاً ومطلباً مقصودا له .
ولولا الغاية المستهدفة هذه لكان الفعل الإنساني عبثا لا مبرر له ولعباً لا داعي لوجوده .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية