|
ينبغي على سالك طريق التصوّف ، المباشرة بعملية التحلي قبل التخلي ، فلا تصوّف بدون معرفة فقهية رصينة بواجبات العبادات ، ومندوباتها وآدابها ، والتفريق بين البدعة والسنّة في الأحوال ، فالعلوم تنعكس أنوارها على طاعات العبد فتلبسها لباس السنّة التي ترقى بصاحبها عبر فضيلة الأتباع ، وقد قيل بأن الشريعة باب والحقيقة بيت ، ولامدخل للبيت إلا من بابه فلاتصوف حقيقي إلا بفقه ، قال الإمام مالك : من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ..."
المرحلة الأولى : آداب طلب العلم .
تبدأ رحلة العلم بالإستماع والقبول عن أئمة الفقه والعقيدة ثم التصوّر والفهم ومباشرة العمل للوصول إلى المعرفة الحقة ، والتوقف في محل الإشتباه دون الخوض فيه ، واعتبار المهم وتقديمه على غوامض علوم القوم ، وينبغي أن لا يغيب عن ذهن الصوفي أن الفقه يمتلك حكماً عاماً مقصده إقامة رسم الدين ، ورفع مناره وإظهار كلمته . أما التصوف فهو تجربة ذاتية ومعاملة بين العبد وربه لذا يلزم الرجوع من التصوف إلى الفقه ، ويكفي الفقه عن التصوف ، ولم يكف التصوف عن الفقه من أجل هذا قيل : كن فقيها صوفياً ، ولاتكن صوفياً فقيهاً ؛ وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم ، لتمام حاله قال أبو حفص الحداد : التصوف كله أدب ، ومن ضيع الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب مردود من حيث يظن القبول " .
المرحلة الثانية : التقلب بين الطاعات :-
أراد الله سبحانه وتعالي أن يشغل عباده بعبادته فأزعجهم من كل شيء سواه وقد قيل : فرّغ القلب من الأغبار واملأه بالمعارف والأسرار، وخير تفريغ للقلب يكون باشتغاله في عبادة الله سبحانه وتعالى والقيام بأوامره ، والانتهاء بنواهيه واتباع سنة نبيه محمدً -صلى الله عليه وسلم -
قال محى الدين بن عربي في فتوحاته : " العبادة اسم حقيقي للعبد ، فهي ذاته ومواطنه ، وحاله وعينه ونفسه وحقيقته ، ووجهه .." .
قد تختلف مسالك العبادة بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى . بيد أن هذه المسالك تصب في بوثقة واحدة ، فمن غلب عليه العمل ، فعابد، ومن مال إلى الترك فزاهد ، أما من أدام النظر في تعاريف الحق بالأكوان فعارف والكل ينتسبون إلى التصوف بوشيجة محكمة .
المرحلة الثالثة : التمييز بين العلوم :
قال القوم : خير العلم ما صاحبته خشية الله سبحانه وتعالى ، قال ابن عطاء الله الإسكندري : شاهد العلم الذي هو مطلوب الله سبحانه وتعالى وجود الخشية لله عز وجل.
وإنما كان الأمر كذلك لثلاثة أوجه :
أحدهما : أن الخشية تحجز عن المعاصي والقبائح وتدعو إلى صالح الأعمال ، فينشب عن فقدها زوال الخشية والتهافت على المعاصي ،
الثاني : أن الخشية تغالب الهوى والشهوة اللتين تغطيان العقل ، فتطفيء نور القلب .
الثالث : أن الخشية تحمل صاحبها على طلب الآخرة وإرادة وجه الله سبحانه وتعالى عن طريق العلم به ، وفقدها يغمس المؤمن بالدنيا ومفاتنها فيلفته عما أراد الله سبحانه وتعالى .
قال الشعبي : إن العالم من فقه عن الله سبحانه وتعالى ما توعده به فخافه .." .
المرحلة الرابعة : نيل ثمرة العلم : ينال العبد بساط العلم ثمرة لتقواه ، قال الله تعالى في كتابة العزيز : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ...) .
والإمساك بزمام هذا البساط دائم مادام العبد يجاهد في تزكية نفسه وتطهيرها من العيوب .
يعرف وصول القلب إلى ثمرة العلم بوصوله إلى العلم بجلال الله سبحانه وتعالى وعظمته على وجه يمتلك القلب بجملته ، ويسع بين ثناياه كل ما حوله ، فلا وحشة مع الله سبحانه وتعالى ولا راحة مع غيره . وقد ثبت في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي -صلي الله عليه وسلم -قال : " يقول الله سبحانه وتعالى من عادى لي ولياً فقد بارزته بالمحاربة وفي رواية أخرى " فقد آذنته بالحرب " وما تقرب إلى عبدي بمثل ما افترضت عليه ولازال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ولابد له منه ..".
ولاشك بأن من كان يبصر بالله ويسمع به ويبطش به ويمشى به له حال يخالف من لم يكن كذلك لان بصيرته قد استوعبت مفردات المعرفة فانكشفت له الأمور كما هي وزال حجاب الظاهر عنها الذي يحجب إدراك ماهيتها الباطنة ،والصوفي يرقب المراتب بعبادته وينهل المعرفة من عين الجود وبذل المجهود .
المرحلة الخامسة : المعرفة الصوفية ، تنمو المعرفة الصوفية مع تعمق فقه الصوفي بشريعية ، وتأدبه بآدابها وحسن اتباعه لما ثبت من سنّة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - وتثمر هذه المعرفة نظراً يختص به الصوفي عند معالجته لأمور الشريعة ومقاصدها . فالفقيه يعتبر ما يسقط به الحرج عن المكلف ، ويسم طاعته بسمة القبول ، والصوفي ينظر إلى ما يحصل به كمال العبادة كحد للقبول . وتحمل الآية الكريمة أو الحديث الشريف إلى الصوفي إشارة تضاف إلى ما أثبته المفسرون يستمد منها معرفةً جديدةً يتقوى بها يقينه ، تترسخ المعرفة فتؤتي ثمارها ، فتظهر بجلاء أمام الصوفي بأن الشريعة أن تعبده سبحانه وتعالى حق عبادته ، والحقيقة أن تشهده في كل شيء من مخلوقاته ، فيمسى ونور معرفته يقصر عن إطفاء نور ورعه، ولا يعتقد باطناً من العلم ينقض عليه ظاهراً من الحكم الشرعي ولاتحمله كثرة نعم الله عليه وكرامته على هتك حرمة الله بحجة كمال أو إسقاط تكليف .
وتستمر رحلة الصوفي مع العلم بالصدق في العبودية ، والقيام بحق الربوبية بالتشمير للحقوق ، والإعراض عن كل مخلوق والإستسلام تحت جريان المقادير الإلهية في الأكوان ، واليقين بأنه لامسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك إليه ولاقطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك ( فأينما تولوا فتم وجه الله ).
وتكتمل دائرة المعرفة إذا تذوق الصوفي لذة اجتماع المتفرقات واستواء الأحوال والأماكن وسقوط رؤية التمييز لديه فتتجلى له الأسماء والصفات العلية وتظهر حقيقة سريانها في المكونات وتغيب علة الإضافة وتتلاشى المحدثات هيبة من موجدها وتفنى العبارات وتضمحل الإشارات :
ألاحظه في كل شيء رأيته *** وأدعوه سراً باطناً فيجيب .
ملأت به قلبي وسمعي وناظري ***وكلّي وأجزائي فأين يغيب .
وتمسي المعرفة الصوفية رؤيةً باطنةً لاعلماً ظاهراً ، وعيناً لاخبراً ومشاهدةً لاوصفاً ، وكشفاً لاحجاباً وغيبة لاصحواً.
قال الشيخ البسطامي : من عرف الله بُهت ولم يتفرغ إلى الكلام ..!.
|