الطريقة النورية

 

    أبو الحسن النوري ، أحد صدور علماء المتصوفة ، وأشهر من النور بين مريديه بمناقبه اللامعة وحججه القاطعة . كان له في التصوف مذهب مرضي وقاعدة مختارة ، وقانون مذهبه هو تفضيل التصوف على الفقر ، ومعاملاته تتفق مع الجنيد .
طريقة النوري إيثار حق الصاحب على حقه، ويرى أن الصحبة بلا إيثار حرام، ويقول: الصحبة للدراويش فريضة ، والعزلة غير حميدة ، وإيثار الصاحب أيضاً فريضة.
وحقيقة الإيثار في الطريقة النورية هي أن يرعى الصاحب في الصحبة حق صاحبه، ويتجاوز عن نصيبه، ويتجشم التعب من أجل راحة صاحبه ، ويتجلى ذلك الإيثار في الحكاية التي أوردها الهجويري في كتابه " كشف المحجوب " ومفادها أنه: " حين أظهر غلام الخليل عداوته لهذه الطائفة ، سلك مع كل منهم لوناً من الخصومة، أخذوا " النوري " و " الرقام " و " وأبا حمزة " وحملوهم إلى دار الخلافة ، وقال غلام الخليل: هؤلاء قوم من الزنادقة ، وإذا أمر أمير المؤمنين بقتلهم يتلاشى أصل الزنادقة ، لأنهم رؤساء كل هذه الطائفة ، وإذا تم الخير على يديه فأنا أضمن له ثواباً كبيراً . فأمر الخليفة بضرب رقابهم في الحال ؛ وجاء السياف وأوثق أيدي الثلاثة ، وعندما قصد قتل " الرقام " نهض " النوري " وجلس في مكان الرقام على نطع السياف في غاية الطرب والطواعية ، فعجب الناس وقال السياف : أيها الفتى : ليس هذا السيف بالشيء المرغوب الذي يتقدمون إليه بهذه الرغبة التي جئت بها ، ولم تصل إليه النوبة بعد . قال : نعم ، ولكن طريقتي الصوفية مبنية على الإيثار ، والحياة أعز الأشياء ، وأريد أن أبذل هذه الأنفاس المعدودة في سبيل هؤلاء الإخوة ، لأن نفساً واحداً في الدنيا أعز علي من ألف سنة في الآخرة ، لأن هذه دار الخدمة وتلك دار القربة، والقربة تدرك بالخدمة فنقل صاحب البريد هذا الكلام للخليفة ، فتعجب الخليفة من رقة طبعه ، ودقة كلامه في مثل هذه الحال ، وأرسل شخصاً يقول : توقفوا في أمرهم ، وكان العباس بن علي قاضي القضاة ، فأحال إليه أمرهم ، وحمل الثلاثة إلى داره ، ووجدهم في كل ما سألهم عنه من أحكام الشريعة والحقيقة على أتم حال ، وخجل من غفلته في حقهم ، وعندئذٍ قال له " النوري " : أيها القاضي : لقد سألت كل هذه الأسئلة ولم تسأل بعد : هل لله رجال قيامهم به ، وقعودهم به ، ونطقهم وحركتهم وسكونهم كلها حية به ، وقائمة بمشاهدته ، وإذا انقطت مشاهدة الحق عنهم لحظة واحدة تعالى صراخهم ؟ ، فتعجب القاضي من دقة كلامهم ، وصحة حالهم، وكتب إلى الخليفة يقول : إذا كان هؤلاء ملاحدة فأنا أشهد وأحكم بأنه لايوجد على وجه الأرض موحد ، فدعاهم الخليفة وقال : سلوا ما حاجتكم ؟ قالوا : إن ما حاجتنا إليك هي أن تنسانا ، فلا ترانا مقربين بقبولك، ولا مطرودين بهجرك لأن هجرك لنا كقبولك، وقبولك كهجرك ؛ فبكى الخليفة وأعادهم مكرمين .
هذه واحدة من حكايا كثيرة يوردها الهجويري ، يتجلى فيها إيثارهم وتضحيتهم في سبيل غيرهم .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأخبار  | الرئيسية | معجم التصوف | كلمة في رحاب التصوف | دراسات في التصوف | صفحات من تاريخ التصوف | أعلام التصوف | منبر التصوف | طرق صوفية | المكتبة الصوفية